~ عربي ~

لمكافحة الانتحار 1
   

الانتحار والسلوكيات التي تشكّل خطرًا على الحياة 31، 129-139 (2000)

 

ما الذي قد تقوله لشخص فوق السطح؟

نصّ لمكافحة الانتحار

 

د. حاييم عومير، قسم علم النفس، جامعة تل-أبيب

69978، تل أبيب، إسرائيل[1]

 

د. أفشالوم س. إليتزور، قسم الهرمنتيكية ( التفسيريّة) والثقافات، جامعة بار إيلان ، 52900 رمات غان، إسرائيل[2]

 

ملخّص: يهدف نص مكافحة الانتحار هذا إلى تزويد الداعمين ( المهنيين وغير المهنيين) بالإرشادات الواضحة  للتواصل مع شخص ينوي الانتحار، خاصّة خلال مواقف واقعيّة، حيث يلعب الوقت دورًا حاسمًا، ولا يمكن منع عملية الانتحار جسديّا. قد يكون للنص أيضا أثرا وقائيّا إن تم تعميمه للجمهور العام، باعتباره عنوانًا مجهولا للأشخاص المعرّضين لخطر للانتحار.

 

إن أردت قتل نفسك، لمَ لا تريد قتل نفسك؟

فيرناندو بيسوا

 

من بين جميع الأزمات التي يواجهها المهنيّون الداعمون، الأكثر إلحاحًا هي أزمة الانتحار. في غالبية الأحيان، يشعر الأخصّائيّون النفسيّون، العمّال الاجتماعيون،  الأطّباء النفسيّون والمربّون بالعجز قبل عملية الانتحار المعلنة، لأنّ تقديم العلاج والاستشارة يحتاج إلى وقت من أجل بناء علاقة  وإقامة حوار مفتوح. وغالبًا ما تكون هذه المتطلّبات غير واقعيّة، خاصّة في المرحلة النهائيّة لموقف ما الذي سرعان ما قد ينتهي بفاجعة.

إنّ بعض حالات الانتحار التي لفتت انتباهنا مؤخّرا تؤكّد هذا العجز المهنيّ  بوضوح مؤلم.  

في حالتين مماثلتين، أقفل منتحران ( وهما شاب وشابة يؤديّان الخدمة العسكريّة) الباب على نفسيهما وهما مزوّدان بالسلاح، وقد أعلنا قبل ذلك عن نيّتهما بالانتحار. نفّذ الاثنان الانتحار الواحد تلو الآخر ( بعد مرور 15 دقيقة، ومن ثم بعد مرور 3 ساعات)، وذلك بعد أن حاول العديد من الأشخاص (المهنيين وغيرهم)  ثنيهم عن القيام بذلك، ولكن دون جدوى. حين تحدّثنا إلى بعض هؤلاء الداعمين، اتضح لنا بأنّه ليس لديهم أيّ الأفكار أوّ الإرشادات التي تمكّنهم من التواصل مع الأشخاص المقبلين على الانتحار في مثل هذه الظروف. ولا ريب بأنّهم بذلوا قصارى جهدهم وفق شعورهم الفطريّ وحدسهم التحليليّ، ولكن دون جدوى. لا عجب أنّهم يتحملون عبء فشلهم بأسى.

هل يمكن خلق نصّا توجيهيّا لمنع الأشخاص المعرّضين لخطر الانتحار من تحقيق غايتهم؟ هذا النص يجب أن يبقى محتلنًا وفق أحدث أنواع المعرفة التحليليّة والأبحاث المتعلّقة في قضية الانتحار. وفي الوقت ذاته، يجب تبسيطه قدر الإمكان ليكون ذو فائدة خلال الحالات الطارئة وحالات الضغط العاطفيّ.  سنقوم في هذا المقال باقتراح نصّ مماثل.

 

المبادئ الأساسيّة

ترتكز محاولتنا هذه على سؤال ذو أهمية كبرى: هل تشير المعرفة الواسعة حول الانتحار إلى أيّ ميّزات خاصّة موجودة لدى غالبية الأشخاص المقبلين على الانتحار؟ لا ريب أنّ غالبية المحاولات لوصف العوامل المتعلقة بالانتحار معقّدة للغاية. لقد كانت هناك بعض المحاولات لتوحيد هذا التعقيد بواسطة افتراض ميزّات نفسيّة داخليّة وعميقة ( Maltsberger, 1993) أوّ بواسطة إجراء تقدير تكامليّ للبنى النفسيّة المحتملة أوّ الدوافع الراسخة والمتعلقة بالانتحار ( Maltsberger, 1992). قد تساهم هذه المحاولات في تعزيز مقدرتنا على تفهّم الشخص المقبل على الانتحار والتعامل معه. ولكن الميزة المشتركة التي قد تساعدنا على صياغة نص أساسيّ لمكافحة الانتحار هي ذات الميزة المتعلّقة مباشرة بموقف الشخص المقبل على الانتحار تجاه الموت، أوّ بكلمات أخرى " الأسباب التي تدفعه/ا نحو الحياة والأسباب التي تدفعه/ا نحو الموت". ( Jobes and Mann, 1999; Orbach et al.,1991; Orbach et al., 1993; Orbach et al., 1999).

هل نستطيع نحن، ولو بهدف التبسيط، الإشارة إلى بعض هذه الميّزات المشتركة الفينومينولوجيّة ( الظاهراتيّة)؟

الإجابة غير المتوقّعة هي نعم ( Shneidman, 1985; Shneidman, Farberow and Litman, 1976). تتم الإشارة غالبًا إلى مسارين يحدثان في ذهن الشخص المقبل على الانتحار، خاصة في المرحلة النهائيّة الحاسمة.

أوّلا، الشخص المقبل على الانتحار يشعر دائمًا بالعزلة. إنّه متواجد في مرحلة ما خارج نطاق الدعم، لهذا فإنّ الانتحار ينتج عن الشعور بالوحدة التامّة. هذه الوحدة، والقائمة ضمن حلقة فارغة، تزداد حدّة نتيجة لتوجّه الشخص المقبل على الانتحار: كلّما ازداد إصراره على تنفيذ الانتحار، كلّما اشتدّ رفضه لتلقي مساعدة خارجيّة. بنظر الشخص المقبل على الانتحار، لا أحد يستطيع فهم معاناته/ا، لم يشعر أحد مثله/ا بالاكتئاب اليأس والمهانة، الخيانة والغضب، ولا يستطيع أحد فهم ما يمرّ/تمرّ به.

والأسوأ من ذلك، وكما يشعر الشخص المقبل على الانتحار، فأنّ محاولات الشخص الداعم لمنع الانتحار المخطّط  تؤدّي إلى استمرار المعاناة. لهذا من المفضّل أن يبقى الشخص الداعم بعيدًا، ويبقى الشخص المقبل على الانتحار وحيدًا باختياره، وبسبب عدم مقدرة الآخرين ( ظاهريّا) على فهمه.

ثانيًا، إنّ رؤية الشخص المقبل على الانتحار للعالم المحيط به ضيّقة للغاية. باقتراب النهاية، يطوّر الشخص المقبل على الانتحار رؤية ضيّقة ومحكمة الإغلاق تجاه أيّ تأثير خارجيّ. بالنسبة إليه، فإنّه هذا العالم ومعاناته هما كيانًا واحدًا، ولا شي آخر يهمّ. 

هذان المساران بالطبع لا يلغيان العوامل العديدة الأخرى التي تلعب دورًا في عملية الانتحار. ولكنّنا نؤكّد بأنّ الشعور بالعزلة وضيق الرؤية هما أهم العوامل العامّة المميّزة لظاهرة الانتحار. وبهذا، فإنّهما يشكّلان قاعدة واسعة لخلق عنوانًا لمكافحة الانتحار.

من خلال هاتان الميزتان، نستطيع رسم خطيّن توجيهيّين، بالاعتماد على موقفين تكميليين:

 

أ‌.       موقف المشارك:  يجب على الشخص الداعم ( الذي سيقوم بمحاولة منع الانتحار) إظهار تعاطفه الكليّ مع أزمة ومعاناة الشخص المقبل على الانتحار. ويعتبر هذا الموقف الردّ  الأنسب لمشاعر العزلة التي تنتاب الشخص المقبل على الانتحار. إنّ موقف المشارك يكون مضادًا لموقف المواجهة الصارمة، حيث يقول الداعم للمنتحر بأنّ عملية الانتحار المخطّطة خاطئة وغير مقبولة. إنّ التحدي هامّ جدا، ولكن إن اقتصر موقف الشخص الداعم فقط على التحدي، فأنّه حتمًا سيفشل.  قبل ذلك، يجب على الشخص الداعم الوقوف بجانب الشخص المقبل على الانتحار للتخفيف، ولو قليلا[3]، من شعوره بالعزلة. لهذا، يجب على الشخص الداعم تبني موقف المشارك بوضوح، لدرجة التأكيد على حق الشخص المقبل بالانتحار لاعتقاده أنّ الموت يبدو الإمكانية المتاحة الوحيدة.  فقط بهذه الطريقة نستطيع أن نأمل بأن يصغي الشخص المقبل على الانتحار لما يقوله الشخص الداعم.

ب‌.   موقف التحدي. بعد الوقوف إلى جانب الشخص المقبل على الانتحار ( وفق موقف المشارك)، يحين وقت الحديث، بوضوح وعزم، عن الموقف المعارض للانتحار. يحين عندها الوقت لطرح المواضيع التي يغفل عنها الشخص المقبل على الانتحار للحظة بسبب ضيق رؤيته: المعاناة التي ستلحق بأعزائه الباقين خلفه، وجود إمكانيات أخرى لمواجهة الألم، وضع حدّا نهائيّا للألم والإمكانية بأن يكون قرار الانتحار خاطئّا.( Elitzur, 1992; 1995). وفي حين يرتكز موقف المشارك على مقاومة شعور الشخص المقبل على الانتحار بالعزلة،  فإنّ موقف التحدي هو بمثابة محاولة للتعامل مع ضيق الرؤية لدى الشخص المقبل على الانتحار. يتناقض موقف التحدّي مع ميل العديد من الداعمين للاكتفاء بالتعبير عن التفهّم والتعاطف، دون إدخال أيّ رسائل مضادة للانتحار إلى ذهن الشخص المقبل على الانتحار.إنّ اتخاذ مثل هذا الموقف الرقيق ليس نموذجيّا على الإطلاق للعاملين في حقل حلّ الأزمات.

هناك علاقة جدليّة بين موقف المشارك وموقف التحديّ: كلّما ازدادت المشاركة، كلّما تعززت مقدرة الداعم على التحدي، والعكس صحيح. بهذا، ومن خلال الوقوف إلى جانب الشخص المقبل على الانتحار، والتعاطف مع موقفه، قد نحظى بانتباهه لنوصل إليه بعض الرسائل المضادة للانتحار.  أما إن تجرأنا على تحدي محاولة الانتحار،  قد نظهر بأنّ دعمنا ليس تأكيدًا تافهًا للمسايرة، إنمّا تأييدا جادّا لمن يجرؤ على المعارضة.

خطابنا يجب أن يأخذ بالحسبان أن الشخص المقبل على الانتحار، ورغم يأسه وضيق رأيته، لا يؤمن بأنّه وحيدًا في هذا العالم وبأنّ العالم الخارجيّ توقّف عن الوجود، بل على العكس، العديد من الأشخاص المقبلين على الانتحار يتركون خلفهم  رسائل ويهتمون برسم انطباعا إيجابيّا لدى  الباقين خلفهم. إن هذا الشق في نية الانتحار يوفّر للشخص الداعم فرصة لا تقدّر بثمن.

نموذج نص لمكافحة الانتحار

نعلم بأنّ الأدبيات المهنيّة تفتقر إلى نصًا ، الذي يمكن للداعمين الاعتماد عليه لمخاطبة الشخص المعرّض لخطر الانتحار. قد يتم تبرير هذا النقص بالقول أنّ لكلّ حالة انتحار خاصيتها ولهذا لا يمكن إيجاد نصّا عاما يناسب جميع الحالات. ولكن هذا الاعتراض لا مبرّر له. أوّلا، إنّ وجود نص أوليّ لمكافحة الانتحار من شأنه أن يسهل صياغة نصوص أخرى على ذات الغرار والتي تلاءم خاصية كلّ حالة.  على سبيل المثال، يحدث ذلك في عمليات التنويم المغناطيسي، حيث تساهم النصوص الأساسيّة إلى حدّ كبير في بنية الممارسات المهنيّة. بعيدًا عن التكرار الأصمّ، وعند إتقان استخدامها، فإنّ هذه النصوص تزيد من مرونة المعالج في تطوير نصوص جديدة أو ملائمة النصوص القائمة وفق الاحتياجات الخاصة للزبون. لذلك، قد يستطيع النص الأساسيّ  لمكافحة الانتحار إثبات نجاعته في عدّة حالات. لقد أشار Trotsky ( 1932) إلى أن الناس يستجيبون بطرق مختلفة جدًا لدغدغة ريشة، ولكنهم يستجيبون بطرق متشابهة جدّا لاكتوائهم بمكواة شديدة السخونة.  وينطبق ذلك على المعاناة النفسيّة أيضًا: رغم الاختلافات بين الأفراد، إلا أنّ العذاب الذي يؤدي بهم إلى أزمة الانتحار شديد التشابه. إنّ هذا التشابه، وكما يتضّح عامّة من خلال شعور الشخص المقبل على الانتحار بالعزلة وضيق الرؤية، من شأنه أن يبرّر صياغة نصّا أساسيّا.

هناك اعتراضًا آخرا يقدّمه علم النفس لوجود نص واضح لمكافحة الانتحار، وينبع هذا الاعتراض من نفور العديد من المهنيين الداعمين من محاولات الإقناع. إن الامتناع عن إصدار الأحكام غالبًا ما يعتبر من أهمّ ميّزات التوجّه العلاجيّ. ولكن لا يتم تبني هذا التوجّه عند التعامل مع الشخص المقبل على الانتحار.  غالبية الناس ( ونحن من ضمنهم) يبرّرون قيامهم بمنع محاولة الانتحار ويشعرون بأنّهم ملزمون بذلك، حتى وإن تم استخدام وسائل جسديّة. في العديد من البلدان، الشخص القادر على منع الموت والممتنع عن القيام بذلك يعتبر مذنبًا بارتكاب جريمة جنائيّة. إنّ المكانة الخاصّة التي تحتلها أزمة الحياة- والموت تعطي تبريرًا أخلاقيّا ومهنيّا لاستخدام الرسائل الأكثر إقناعًا.

لهذه الأسباب، قمنا بتأليف نص مكافحة الانتحار المقترح هنا. فيما يلي نص مكافحة الانتحار والمطبوع بخطّ مائل، والذي يتخلّل تعقيبات مطبوعة بحروف عاديّة.  نعرض هذا النص باعتباره دعوة للتعقيبات والاقتراحات، وقاعدة تتيح تطوّر نصوص فرديّة. لهذا، فإن فقرات النص يجب أن تعتبر كمقترحات التي يجوز للقارئ تقبّلها أوّ رفضها. كما ويجب على الداعم ملائمة النص لمستوى  التطوّر اللفظيّ لدى المستمع ( المخاطب الخياليّ لدينا هو شاعر إسرائيليّ شاب). في أغلب الأحيان، يفضّل استخدام لغة مبسّطة.

نعتقد بأنّ معرفة النص بشكل جيّد من شأنها أن تساعد الداعمين على التعامل مع ردود فعل شخصيّة عديدة ومختلفة، بما في ذلك الحالات المتطرّفة حيث يرفض الشخص المقبل على الانتحار الحديث، وحيث لا يكفّ عن مقاطعة الشخص الداعم. عند يلتزم الشخص المقبل على الانتحار الصمت ، فإنّ النص يمكّن الداعم من الاستمرار في الحديث مطوّلا حتى يتم الحصول على ردّ واضح، ولكن عن مخاطبة الشخص المقبل على الانتحار الثائر المستمر بمقاطعة الحديث، يشكّل النص خطّا موجّها يمكّن الداعم من حماية النص من التجزئة. في الواقع، إنّ الوسائل التعليميّة المتوفّرة للداعمين تعتمد على التفاعل المستمر.  يفترض بأنّ أيّ تدّخل أوّ رد فعل من قبل الشخص الداعم يكتسب معناه فقط عند تلقي رد فعل أوّ حافز من قبل الشخص المقبل على الانتحار.  

ولكن العديد من الأشخاص المقبلين على الانتحار يحيطون أنفسهم بالصمت أوّ يتحدّثون بكلمات فظّة أحادية المقطع.  لفهم مثل هذه الحالات، قد يكون النص أدناه ذو فائدة قيّمة.

 

نص لمكافحة الانتحار

يتألّف النص من قسمين: القسم الأوّل يعرض موقف المشارك، بينما يعرض القسم الثاني موقف التحدي.

 

أ.

مرحبا.  إسمي فلان. ما إسمك؟

الأسئلة الموجّهة للمنتحر والتي أدرجت في النص ليست بالضرورة الأسئلة التي يجب أن تطرح ( في كلّ حالة، يمكن طرح مختلف الأسئلة المناسبة)، ولكنها تشير إلى محاولة الداعم خلق حوارًا صغيرًا. التشديد على أهمية الإسم ليس أمرًا ملحّا، ولكن مناداة الشخص باسمه قد تساهم في التغلب على الشعور بالعزلة.  لقد اخترنا الإسم رون، في ذكرى الشاعر الإسرائيليّ رون أدلير الذي انتحر عام 1976، في سن التاسعة عشر.

 

مرحبًا رون. أنا هنا لأتحدث إليك. أتمنى بأن أنجح في الحديث لصالح الجانب الكامن في داخلك والذي لا يزال يرغب في الحياة.

في جميع محاكم العدل، وحتى في الدول الدكتاتوريّة، يحقّ لكلّ شخص الدفاع عن نفسه، في حين قمت أنت بتعيين نفسك مدعيّا عامًّا، قاضيًا وجلادًّا. ولهذا، أطالب بحق الحديث دفاعًا عنك.

 

طالما لم يضع الشخص حدّا لحياته، علينا أن نفترض بأنّه لا تزال هناك رغبة في الحياة. إنّ أبيات قصيدة فيرناندو بيسوا التي اقتبست كشعار لهذا المقال تفسّر هذا الغموض  باختصار. لقد تطرّق  Shneidman  ( 1995) ،بشكل مجازيّ ، إلى " الكونغرس الذهنيّ" الذي يسيطر على ذهن الشخص المقبل على الانتحار. هذه المجاز يبعث الأمل لأنّه يوحي بانّ الحياة قد تفوز، حتى وإن قامت بعض الأصوات الداخليّة فقط بالتصويت لصالحها.  أثبت Orbach at al.  ( 1991) بشكل تفصيليّ  وجود الصراع المربك المتأصّل في ذهن الشخص المقبل على الانتحار، حتى في المرحلة النهائيّة، على سبيل المثال الخوف الشديد من الموت المرافق للانجذاب الشديد نجوه. بهذا، فإنّ الداعم لا يهدف أساسا إلى ترجيح الكفة بعيدًا عن الموت ولصالح الحياة ( الهدف الجبّار)، إنما خلق تغييرًا صغيرًا والذي قد يرجح الكفة نحو الاتجاه المرجوّ.

 

أوّلا، دعني أقول لك بانّي أعي أنّك تقف الآن على حافة القدرة البشريّة على التحمّل. الألم الذي يعتريك شديد للغاية. كما وأني حقًا أصدّق بأنّ معاناتك شديدة وبانّ الوضع غير محتمل على الإطلاق، ولا يمكن التغلّب على هذه المعاناة، وضعها جانبًا أو نسيانها. هذه المعاناة غير المحتملة، وهذا الألم غير الإنسانيّ يجب أن ينتهيان. قد تشعر أيضا بالتعب والإرهاق نتيجة مقاومتك للقوى التي تفوق مقدرتك، لسوء الحظ ولقسوة الحياة.

 أعي عمق ألمك. أتقبّل شعورك بشأن عدم وجود أيّ حلّ. أتقبّل شعورك بشأن وصولك نهاية الطريق. قد يصلّ كلّ كائن بشريّ إلى نقطة ما حيث يقول: انتهينا! لن أتحمّل المعاناة أكثر من ذلك! إنّي أتقبّل وصولك إلى هذه المرحلة.

ورغم ذلك، سأحاول الحديث عن طريقة أخرى للنظر إلى الأمور. وأعتقد بانّ هذا الصوت المختلف جدير بالحديث عنه.

قد تسأل نفسك من هذا الرجل الذكيّ الذي يحاول إقناعي بعدم الانتحار؟ ربّما أبدو في نظرك أحد المهنيين الذي يتقاضى أجرًا ليمنعك من قتل نفسك بأيّ وسيلة كانت. أرجو أن تصدّقني بأني في هذه اللحظة، وبينما أتحدّث إليك، فإنيّ لست فقط أخصائي نفسيّ، أوّ شرطي أوّ  ضابطً في الجيش، أوّ عامل اجتماعي. إنّي في هذه اللحظة كائن بشريّ ينتابه الخوف والفزع الشديد بسبب ما تنوي فعله.

 

إنّ صعوبة الحالة تتطلّب من الداعم الاستعداد للحديث بصراحة. إنّ حساسية الشخص المقبل على الانتحار ستكشف على الأرجح عن أيّ تظاهر. لهذا، من لأفضل الاعتراف بأيّ ردود فعل متوقّعة في مثل هذه الحالة، على سبيل المثال تخوّف الداعم من تنفيذ الانتحار في أيّ لحظة.  إنّ الكشف الذاتي هذا من شأنه أن يساهم في خلق الاتصال. 

 

دعني أقول أوّلا بانّي من حيث المبدأ لا أعارض الانتحار. كما ولا أعتقد بانّ الانتحار هو دائما آثمًا أوّ خاطئا. في بعض الحالات قد أبرّر الشعور بتفضيل الموت على استمرار المعاناة. وقد أحترم قرار كهذا في مثل هذه الحالات. إن قررت بعد الإصغاء إليّ بأنّك تمرّ في مثل هذه الحالة، وبأنّه لا يوجد أمل أوّ سبب ما للاستمرار في العيش،  لن أزعجك بعد الآن.

 

إن اتّخاذ هذا الموقف ( بالطبع، إن التزم به الداعم) قد يساهم في تمرير الرسالة. وفي غضون ذلك، يحاول الداعم القول بأنّ اختيار البقاء على قيد الحياة قد يكون إمكانية إيجابيّة من منظور الشخص المقبل على الانتحار ،  وليس  لمجرّد مبدأ ما.  يصعب الاعتقاد بأنّ الإيمان الميتافيزيقيّ ( الغيبيّ) في قدسية الحياة يؤثر إيجابيّا على الشخص المقبل على الانتحار في مثل هذه المرحلة المتقدّمة.

من المهم إظهار الاحترام تجاه استقلالية الشخص المقبل على الانتحار، مع الأخذ بالحسبان أنّه في العديد من الحالات يكون الانتحار بمثابة محاولة لاستعادة السيطرة على  الحياة التي خرجت عن نطاق سيطرة شخص ما. ولهذا يجب الامتناع عن تهديد شعور الشخص المقبل على الانتحار بشأن سيطرته/ا عمّا تبقى من حياته/ا.

 

وكما أعلم يا رون، فقد تبقت لديك طريقة واحدة لوضع حد للكابوس الذي تمرّ به: وضع حدّ لجميع المشاعر، الأفكار، الأحاسيس والأماني. بالنسبة إليك، فإنّ الوضع لا يبدو فقط فظيعًا،  إنّما يزداد سوءًا أكثر فأكثر. إنّك تعتقد بأنّ معاناتك الحاليّة هي الخطوة الأولى نحو معاناة أشدّ من سابقتها. قد تقول إذًا لنفسك: " يجب أن أضع حدّا لحياتي في هذه اللحظة! إن لم أمتلك الشجاعة الكافية للقيام بذلك، سوف أستمر في المعاناة وسأضطر للبدء من الصفر. وليست لديّ القوّة لذلك. " قد تشعر بالوحدة المطلقة خلال مواجهتك لمشكلتك وبأنّه لا يمكن لأحد في العالم مساعدتك. وداخل هذا الجحر الأسود المنعزل، لن ترى إلا ألمك، جميع الحلول المحتملة ستذوب في الضباب، وسيبدو لك أنّ الحلّ الوحيد هو الموت.

سيتساءل القارئ ما إذا كانت هذه الكلمات ستعزّز من الرغبة بالانتحار، بدلا من إضعافها. نحن تعتقد بأن لا أساس لهذا التخوّف. عند التعبير بلباقة عن سلسلة الأفكار الشخص المقبل على الانتحار، فأنّنا بذلك نقف إلى جانبه. وسيعود ذلك على بالفائدة على مصداقيتنا، لأنّ الشخص المقبل على الانتحار سيدرك بأنّنا لا نجمّل الأمور.نأمل بان يزيد ذلك من استعداد الشخص المقبل على الانتحار للإصغاء.

 

ربّما تتساءل لمَ أقول لك هذا الكلام. ربّما تفكّر: " هل تريد مساعدتي بهذه الطريقة كيّ لا أقتل نفسي؟ بالطبع لا.  أتفّهم رغبتك بالموت, ولكني أعتقد أيضا بأنّ شيئا ما في داخلك يريد الحياة. وأنا متواجد هنا لأجعل هذا الصوت ينطلق.

ما أحاول قوله لك هو أنّني أتفّهم معاناتك بعض الشيء. أنت لم تأت إلى هنا بسبب خمولك أوّ إهمالك للحلول الأخرى. إنّي واثق بأنّك لو وجدت مخرجًا آخرًا أوّ وميض نور، لما أردت أن تموت. لهذا فإنّي أحترم مشاعرك وغايتك: أعتقد بأنّه لو كان بمقدورك، لاخترت التصرّف بشكل مختلف.

إنّ ثقة الشخص المقبل على الانتحار بنفسه على الأرجح ضعيفة. كيف لنا إذا أن نبدي احتراما وتقديرًا بطريقة مقبولة على الشخص المقبل على الانتحار؟ إن احترام منطق الشخص المقبل على الانتحار هو أحد السبل الممكنة للقيام بذلك.

سوف نتطرّق في الفقرة التالية إلى الدافع وراء نية الانتحار، على افتراض أنّنا نعلم شيئا حيال ذلك ( من مصادر خارجيّة، من معرفة سابقة أوّ من خلال إجابات الشخص المقبل على الانتحار). في المثال المختار، كان السبب المباشر فشل في الكلية. وبالطبع، يجب التعامل مع كلّ حالة بشكل فرديّ. 

أرى أنّه بالنسبة إليك، فقدت الحياة جميع معانيها حين فشلت في الكلية. أعتقد أنّ النجاح في الكلية أصبح أهم تحدياتك في الحياة، إضافة لكونه اختبارًا لقيمتك الذاتيّة. لقد تعدّى مسالة التخرّج. إنّ الفشل بالنسبة إليك يدلّ على عدم مقدرتك على المنافسة، كما ويدلّ على مكانتك في أسفل القائمة، إنّه يجعلك تشعر بأنّك لن تكون قادرا على الظهور أمام الآخرين أوّ النظر في المرآة.

 

إنّ تبني موقف المشارك يعني الإعراب عن التقدير تجاه القيّم المحطّمة والتي من اجلها يبدي الشخص المقبل على الانتحار استعداده للتخلي عن حياته. لهذا، إن كان سبب الأزمة الشخص المقبل على الانتحار خيبة أمل عاطفيّة، فمن المهمّ التشديد، بعبارات مماثلة، على أهمية الحبّ العاطفيّ.

 

ربمّا تعتقد بانّ العالم سيكون مكانًا أفضل بدونك. الأشخاص الذين يمرّون بظروف مماثلة لظروفك يشعرون في بعض الأحيان بأنّه عند موتهم، سيصبح العالم أفضل حالا.  

إنّ التعبير عن التوجّه السلبيّ المتطرف لدى الشخص المقبل على الانتحار تجاه نفسه/ه يحمل هدفًا مزدوجًا: (أ) زيادة مصداقية الداعم، إذ أنّه/ا يتجرّأ/تتجرّأ على الحديث عن أسوأ الأمور باستخدام أسوأ العبارات  (ب) تزويد الشخص المقبل على الانتحار بنظرة خارجيّة تجاه تقديره/ا الذاتيّ السلبيّ والمتطرّف، على أمل تغيير وجهة نظره/ا.

 

ربما يكون الأمر على العكس من ذلك: قد تشعر بالغضب وتشعر بأنّ الآخرين يستحقون المعاناة من خلال موتك. ربما تشعر بالهجر، الخيانة أوّ سوء المعاملة. وقد تشعر حينئذ بأنّه عليك أن تظهر لمن عاملك بهذه الطريقة مدى سوء معاملته إليك.

أوّ  ربمّا في حالتك السيئة، فإنّك ببساطة غير مكترث. قد يتواجد بعض الأشخاص بعيدًا جدا ولهذا من الصعب حتى التفكير فيهم، ناهيك عن الاكتراث بمشاعرهم. مقارنة مع ألمك الرهيب، فإنّ كل شيء يبدو سهلا. الشعور الجليّ والصوت الجليّ هما اللذان يخبرانك بأنّك ملزم بوضع حد لألمك، دون تأخير. 

 أريد أن أعترف أمامك بأنّي حين أتيح المجال للتعبير عن هذه المشاعر،تنتابني مشاعر باليأس، الأسى والعجز التي تشعر بها،و أنا أيضا أصبح متشائمًا ومكتئبًا.

 

وهنا نكون قد وصلنا إلى أدنى نقطة في خطابنا، حين يشارك الداعم الشخص المقبل على الانتحار مشاعر اليأس التي تنتابه. بهذا، ينتهي موقف المشارك .

 

ب.

ولكن يا رون،

 

نأمل أنّ ما سبق يمنح للداعم الحق في التقدّم نحو مرحلة التحدي. إنّ عبارة " ولكن" تشير إلى هذا التحوّل. ولكن كما سنرى، فأنّه خلال تحدّي نية الانتحار، يجب على الشخص الداعم الحفاظ على التقارب من الشخص المقبل على الانتحار والذي حقّقه في وقت سابق.

سأحاول الآن إقناعك بعدم قتل نفسك. أريد أن أتيح المجال للصوت الآخر الكامن في داخلك، والذي لا يزال يرغب في الحياة.  

دعني أوّلا أعدك بأنّي بعد انتهاء هذه الأزمة، وإذا رغبت بذلك، سأبقى إلى جانبك وسأساعدك على التوصّل إلى حلّ ممكن. أعلم بأنّي لا أستطيع تحقيق المستحيل، ولكني أعدك بأنيّ سأبذل قصارى جهدي لدعمك. لن أحاول مساعدتك من خلال الكلام فقط، إنّما سأفعل ما بوسعي. أعدّك بانّي، بعد نزولك عن السطح ( أوّ خروجك من الحمّام، القبو أوّ غير ذلك)، لن أتركك وحيدًا. سأحاول دعمك  للعودة إلى الحياة. أعلم بانيّ الآن ألتزم بمساعدتك بكامل الجديّة. 

يجب على كلّ مساعد تحديد ما إذا كان ينبغي الالتزام بذلك.  إن شعر الداعم بعدم مقدرته أو رغبته بتنفيذ هذا الالتزام، فعليه إذا الامتناع عن التصريح به أوّ تقديم التزاما أقلّ تقييدًا.

ربما تشعر بأنّ مشاعر اليأس، الكآبة، الجزع أوّ الغضب التي تنتابك فظيعة جدّا لدرجة تمنعك من الإصغاء لأيّ شخص، وإن كان/ت منطقيّا/ة. في هذه الحالة أريد مساعدتك بأيّ الوسائل الفوريّة. إنّك بحاجة إلى راحة فوريّة، لهذا سأساعدك على الحصول على الأدوية التي ستوفّر لك هذه الراحة.  في بعض الأحيان، يتردّد الأطباء في تقديم مثل هذه المساعدة لعدم تأكدهم من احتياج الشخص لها. لا ريب بأنك لا تستحق أن تعاني بهذا القدر.عليك تلقي هذه المساعدة، إن أردت، حتى تؤتي الحلول الأخرى بثمارها. 

إنّ أحد الإغراءات الأساسيّة التي يقدّمها الموت هو الراحة الفوريّة. الأدوية النفسية، والتي تعتبر منطقية في ظلّ هذه الظروف، توفرّ هي أيضا هذه الراحة الفوريّة. إنّ اقتراح تناول هذه الأدوية من شانه أن يفقد فكرة الموت قواها الفتاكّة.

 

لقد أصغيت أليّ حتى الآن، وأشكرك على ذلك. ربما وافقت على الإصغاء إليّ لأنّ بعض الأمور التي قلتها حول رغبتك في الموت صحيحة. أما الآن فأريد أن أطلب منك تحمّلي والسماح لي بالانتقال إلى الجانب الآخر، إلى جانبك، لأدافع عنك  ضد الموت. يحاول الموت إقناعك بالانتقال إلى جانبه، بينما سأحاول أنا إقناعك بالبقاء هنا.

 

إنّ تصوير الموت كعدو خارجيّ الذي يحاول الاحتيال على الشخص المقبل على الانتحار ( White & Epston, 1990) يتيح للشخص الداعم الانتقال لموقف التحديّ دون التخلي عن موقف المشارك. وتظهر المشاركة الآن من خلال تعاطف الداعم مع رغبة الشخص المقبل على الانتحار في الحياة، بينما يتم تحدّي الموت المغري والعدائيّ. 

 

إنّ واحدة من أسوأ الحيّل التي يعتمدها الموت هي جعل العالم يبدو بعيدًا عنك وتوقّف كل شيء عن السير. من خلال معاناتك، يجعلك الموت تشعر بأنّ الجميع يتلاشون. ليس فقط أصدقائك يبتعدون. أطفالك، أشقائك، والديك ( إن أمكن، يجب على الداعم ذكر أسماء الأشخاص) سيتلاشون أيضا. ستواجه بعدًا لا نهائيًا  يفصلك عن جميع الأمور والأشخاص الذين بإمكانك الاعتماد عليهم.

 

نحن نخاطب الآن شعور العزلة الذي ينتاب الشخص المقبل على الانتحار.

أعتقد أنك مطلع على بعض الحالات التي يتطوّر فيها وهمًا مماثلا. على سبيل المثال، أنت تعلم ما الذي يحدث لشخص ما يعاني من آلام حادّة في الأسنان. لا شيء آخر يهم، جميع الأمور تفقد معناها، ما يهمّ هو وضع حد لآلام الأسنان. أوّ دعنا نفكر بشخص مصاب بدوار البحر. الأشخاص المصابون بدوار البحر غالبًا ما يردّدون " دعوني أموت! لا استطيع الاحتمال! لا شيء يهمّ إلا الغثيان. ولا وجود لأيّ شيء آخر. إن التفكير بتناول الطعام ثانية يبدو سخيفّا. الغثيان هو كلّ شيء. ولكن الشخص الذي يعاني من آلام في أسنانه يعلم بأنّ ذلك لن يستمر إلى الأبد، والمصاب بدوار البحر يعلم أنّ الغثيان سينتهي، وبأنّه سيستطيع مجدّدا العيش وتناول الطعام.لا يضع الإنسان حدّا لحياته بسبب آلام الأسنان أوّ دوار البحر.

قد تظنّ بأنّه من السخيف قيامي بمقارنة معاناتك بنوبة من دوار البحر أوّ آلام الأسنان. هذه المقارنة تبدو سخيفة، فرغم فظاعة دوار البحر أوّ آلام الأسنان، فإنّ المعاناة الناتجة عنهما حتمًا ستنتهي بمرور الوقت، بينما تشعر أنّ ألمك لن ينتهي أبدًا. ولكن من المحتمل أن ينتهي ألمك أنت أيضا. أما الآن، وإن كان الأمر كذلك، وإن كان ألمك مؤقتا،  فأنّ قرارك بالانتحار سيكون خطأ فادحًا.  قد تكون أحمق إن جعلت الموت يخدعك بهذه السهولة. دعنا نفكّر للحظة بما قد يحدث إن نظرت خلفًا، بعد موتك، على قرار الانتحار الذي اتخذته؟ تخيّل أنّك ميت وأنك تنظر الآن، عن بعد، إلى موتك وإلى الفرص التي كانت بانتظارك في حال بقائك على قيد الحياة؟ما رأيك؟   من المحتمل أن تدرك بأنّك تصرّفت بحماقة، وكيف وقعت بسهولة في ذلك الفخّ السخيف وكيف رضيت بخداع نفسك بالمظاهر! قد تكتشف بأنك قتلك نفسك سدًى! إن نظرت خلفًا إلى موتك بهذه الطريقة قد تقول لنفسك: " لو انتظرت قليلا، لرأيت وميض الأمل الأول! يا للحماقة، لماذا لم أنتظر، لقد أصبت بالعمى! ألهذا قتلت نفسي؟

 

ها أنت يا رون تبلغ سن التاسعة عشر.

إن كان الشخص الداعم يجهل سن الشخص المقبل على الانتحار، قد يكون هذا الوقت المناسب لطرح السؤال. وحين يكون الشخص المقبل على الانتحار صغير السن، قد يكون التطرّق ‘إلى سنّه طريقة ناجعة لوضع الألم في نصابه.

بقتلك لرون ابن التاسعة عشر، فإنك تقتل رون ابن العشرين، ورون ابن الثلاثين ورون ابن الأربعين. سوف تقتل رون الذي ربّما سيصبح والدًا وجدًّا. لماذا تتخّذ القرارات بدلا من كلّ هؤلاء، بدلا من رون الذي سيغدو أكثر قوة ونضوجا؟ لماذا تتخّذ القرارات بدلا من رون المستقبليّ، والذي ترفض أن تمنحه أيّة فرصة؟

يعبّر الشخص الداعم الآن، وللمرة الأولى، عن امتعاضه من سخافة قرار الانتحار. هذا الامتعاض، والذي يأتي بعد التبني الكامل لموقف المشارك، قد يعتبره الشخص المقبل على الانتحار اهتماما حقيقيّا من قبل الشخص الداعم.

 

لقد وقع العديد من الأشخاص في هذا الفخ، مفتقدين لبصيص الأمل الكامن في الزاوية. في الواقع، إنّ العديد من الأشخاص الذين تراهم حولك يعيشون حياتهم اليوميّة وكأنّ شيئا لم يحدث، مرّوا بأزمة الانتحار وتغلّبوا عليها. رغم سريّة الموضوع، أعرف عشرات الأشخاص، ومن ضمنهم بعض المشاهير،الذين حاولوا الانتحار في  فترة الشباب. ولكن القدر شاء أن يبقوا على قيد الحياة. وبعد فترة اكتشفوا بأنّ الأمر كان خطأ فادحّا.  ومنذ ذلك الحين دخلت حياتهم منعطفًا جديدًا. 

بإمكانك التحدّث إلى بعض هؤلاء الأشخاص، إن أردت ذلك. لقد سمعت عن بعضهم. على سبيل المثال... (ما يلي قائمة مشاهير أتاحوا النشر حول أزماتهم . القائمة ذات صلة بالجمهور الإسرائيلي. أمّا بالنسبة للاماكن الأخرى، فينبغي أن تكون هناك قائمة ملائمة). قد لا تكون معاناتهم اقلّ حدّة من معاناتك. ولكنهم لحسن الحظ بقوا على قيد الحياة، شاكرين حظّهم الذي حال دون موتهم.

 

أوّد أن أخبرك يا رون بأنيّ أنا أيضا مررت بأزمة انتحار. لهذا أشعر، وآمل بأنكّ تشاركني هذا الشعور، بأنيّ قريب منك الآن. لقد مررت في ظروف جعلتني أفكّر بالانتحار بشكل جديّ، ولو لم أتلق المساعدة، لما كنت هنا اليوم. حين أنظر خلفّا إلى ذلك اليوم الفظيع، وأفكّر بأنيّ كنت على وشك وضع حد لحياتي، تنتابني رجفة. في تلك اللحظات أشعر بأنّ أنظر إلى موتي عن بعد وأتخيّل الخطأ الفادح الذي كنت سأرتكبه. 

 

  على كلّ داعم التأكّد من أنّ هذا الكشف الذاتي مناسب. في هذه الحالة، نختار مشاركة الشخص المقبل على الانتحار تجربة حقيقيّة مررنا بها في فترة الشباب. إن كان هذا الكشف الذاتيّ صادقَا، فإنّه سيتيح للداعم التقرّب من الشخص المقبل على الانتحار وفي ذات الحين المحافظة على موقف التحدي.

 

بعد انتهاء الأزمة،  نظرت خلفًا وأدركت بأنّ رغبتي في الانتحار كانت ستؤدّي إلى دمار فظيع. لم أبق تعيسًا لفترة طويلة. لقد وجدّت الطريق المؤديّة إلى الحياة، إلى متعة الحياة وقد أصبحت الحياة ذات معنى، حتى يومنا هذا.

أمّ الآن رون أريد أن أخبرك بشيء قد لا تودّ سماعه. أريد أنّ أخبرك بما قد يحدث لمحبّيك: والديك، أشقائك، شقيقاتك، أطفالك، أصدقائك، الأشخاص الذي تحبهم ويحبونك ( على الداعم أن يستخدم كامل معرفته بهذا الشأن، أوّ أن يسأل الشخص المقبل على الانتحار إنّ كان لديه والدين، أشقّاء، إلخ...). إن كنت تمرّ بأزمة أوّ غير ذلك، إن فشلت أوّ لم تفشل، فإنّ الانتحار سيكون بالنسبة لهؤلاء الأشخاص بداية لحالة رعب لا نهاية لها والتي قد تنتاب والديك مثلا. نعرف الكثير عن أشخاص فقدوا أبنائهم ، ولن يستطيع العديد منهم التغلّب على موت إبن/ة. والأسوأ من ذلك يحدث حين يكون الموت نتيجة لعملية انتحار. بالنسبة للأهالي الذي فقدوا ابنهم/ابنتهم، فإنّالحياة تصبح جحيمًا حتى يومهما الأخير. ربما سمعت هؤلاء الأهالي يقولون: " ليتني مت بدلا منك!"سينطق والديك بهذا الكلام المفزع إن قتلت نفسك.

 

يحاول الداعم الآن فتح قناة الرؤية لدى الشخص المقبل على الانتحار من خلال توعيّته بشأن معاناة الآخرين.  لا يجوز للداعم التراجع عن عرض هذه المعاناة بشكل واضح قدر الإمكان.

 

المعاناة لن تنتاب والديك فقط. إنّ انتحار شخص عزيز سيلحق الضرر الشديد بالأشقاء والشقيقات، وخاصّة الصغار منهم. وحتى مماتهم، سيستمر أطفال أوّ أشقاء المنتحرين بطرح السؤال: " لمً فعل بي ذلك؟ لقد دمّر حياتي!".

 

قد تكون غاضبا على بعض هؤلاء الأشخاص وتشعر بأنّهم يستحقون العقاب. ولكن أخبرني، هل حقًا تعتقد بأنهم يستحقون هذا العقاب؟ هل يستحق أيّ إنسان تحمّل الفاجعة في كلّ دقيقة من كلّ يوم وأسبوع وشهر وسنة طوال حياته/ا؟ إنّ هذا أسوأ من السجن المؤبّد! إنّه أقصى العقوبات. وحتى إن كنت تواقًا للانتقام، أعتقد أنّك إن رأيت أقربائك غارقين في المعاناة التي فرضتها عليهم، ستعلم بأنّ العيش لمدّة شهر واحد في ظل هذه الظروف هو أمر غير محتمل. ناهيك عن هؤلاء الذين لا ذنب لهم! هناك العديد من الأشخاص الذين لم يلحقوا بك أي أذىً لأنّك عزيز على قلوبهم. لو استطعت لأحضرتهم إلى هنا ليتحدّثوا ويتوسّلوا إليك بالبقاء على قيد الحياة. هل لديك أطفال؟ أشقاء؟ شقيقات؟ صديق عزيز؟ أجداد/جدّات؟ ربما لم ينجحوا في التعبير عن محبّتهم إليك، وعن مدى محبتهم إليك، ولهذا ربما لا تعرف كم أنت عزيز على قلوبهم رغم المشاحنات اليوميّة التي تحدث في جميع العلاقات. يحقّ لهم التحدث إليك في مثل هذه الأوقات، ولكنك تسلبهم حقهم هذا. لهذا، ولأنّهم ليسوا هنا ليتحدّثوا إليك، فإنّي أقرضهم صوتي. أطلب منك- وأطالبك بالتفكير فيهم.

 

يعتقد بعض المهنيون بأنّ ذكر الأقرباء، خاصة الوالدين، قد يكون خاطئا، لأنّ الأشخاص المقبلين على الانتحار قد يكونون محفّزين بواسطة مشاعر  سلبيّة تجاههم، بوعيّ أوّ بغير وعيّ. نحن نعتقد بأنّ هذه المشاعر ستكون أقلّ خطورة إن احتلت الصدارة ولم تبق مخبئّة. من خلال الإشارة إلى المشاعر السلبيّة، يتواجد الداعم في مكان أفضل يمكّنه من ذكر الأشخاص الذين يكّن لهم الشخص المقبل على الانتحار مشاعر إيجابيّة. لهذا، إن أراد الشخص المقبل على الانتحار معاقبة والدته، ماذا عن والده، جدّته، شقيقه، شقيقته، صديقته، صديقه، ابنه أوّ ابنته؟ من الصعب التصديق بأنّ ما يدفع الشخص المقبل على الانتحار هو التعطش العام للانتحار. إن رسائل الأشخاص المنتحرين تظهر العكس: يهتم غالبية المنتحرين بم سيحصل للآخرين، ويحاولون تحريرهم من أيّ مسؤولية متعلّقة بعملية الانتحار.

 ربما تعلم ما يحصل لوالديّ الجندي الذي يموت خلال الحرب أو نتيجة حادث: إنّهم لا يكفون عن طرح السؤال: " ما الذي حصل بالضبط؟ هل شعر بالألم؟ هل كان بالإمكان إنقاذه؟ " هذه هي الأسئلة التي سيطرحها والديك وأبناء عائلتك. سيأتون إليّ وإلى الآخرين الذين كانوا على مقربة منك ويسألون مرارًا وتكرارًا عمّا قلت، كيف شعرت، هل عانيت... ولن تنجح أيّ الإجابات في التخفيف من ألمهم. لهذا، اطلب منك أنّ تتخيّل أنّهم الآن هنا، يقفون إلى جانبي، يطلبون منك ويتوسّلون إليك كي تحافظ على حياتك- وحياتهم.

 

وإن فقدت أحد أعزائك، فأنت بالطبع تعلم بأنّ ما أقوله صحيح. أنت تعرف ما هو الألم، وتعلم إنك أذا  أقدمت على هذا العمل، فإنّك ستؤديّ إلى توسيع دائرة الفاجعة، وتترك خلفك لعنة التي ربما تدخل العديدين إلى هذه الدائرة. هل تعلم بأنّ بعض أعزائّك قد يصبحون معرّضون للانتحار بسبب تصرّفك هذا؟ من المعروف أنّ أطفال أو أقرباء الأشخاص المنتحرين معرضّون لخطر الانتحار في مرحلة لاحقة من الحياة.  أتريد ترك هذا الميراث خلفك؟

 

أطلب منك ثانية بأن تصغي لما أقوله لك باعتباري واقفًا إلى جانبك، مرافقًا لك، كأننا نجري حوارًا مع الموت. الموت يريد أسرك. الموت يكذب ويضلّل. الموت يخدعك حين يمنعك من الإلمام والتفكير بأمور عديدة. الموت يحاول سدّ أذنيك كي لا تصغي لما أقوله لك. الموت يحاول التستّر على الأثر المريع الذي سيلحق بمحبّيك عقب انتحارك. الموت يريد أن يخفي عنك الفرص المتاحة لحياة أفضل. لهذا من المهم وجود شخص يدافع عنك. وها أنا أحوال الوقوف إلى جانبك كحليف لك  لمقاومة الموت. أريد أن أكون حليفًا لك في طريق العودة إلى الحياة. سنجد المخرج سوية وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك على إيجاد الحلول.

بالإمكان إنهاء الخطاب كما في المقطع التالي. سيقوم الشخص الداعم باستخدام مصطلحات معيّنة تشير إلى أنّه/ا يشعر/تشعر بانخفاض حدّة التوتر. في غياب مثل هذه الإشارات، من المفضّل أن يواصل الشخص الداعم متابعة الحديث حتى ظهور مثل هذه الإشارة أوّ حتى يعلن طاقم الطوارئ عن استعداده لتنفيذ عملية الإنقاذ. 

أوّد أن أضيف ما يلي: إنّك تمرّ حاليّا في أزمة، وتنتابك حالة يأس عميق. ولكني أجرؤ على القول بأنّه قد ينتج عن ذلك شيئا إيجابيّا. أعتقد أنّه بانتهاء الأزمة، ستجد نفسك شخصّا قويّا، ذو معرفة وخبرة غنيّة. لقد تواجدت في مكان فظيع لم يتواجد فيه إلا القليلون، وهذا ليس سهلا. إن المرور عبر الجحيم يحتاج إلى القوة. وقد تجد نفسك قويّا ليس فقط من خلال حقيقة بقائك على قيد الحياة.  إن المشاهير المذكورون أعلاه، والذين حاولوا الانتحار، أفادوا بأنّ الأزمة جعلتهم أكثر قوة، وأنا أيضا أقرّ بذلك. أعتقد أنّ الأمور بالنسبة إليك لن تبدو كالسابق، لأنّك كنت في الجحيم وعدت. قد لا ترى هذه الإمكانية في هذه اللحظة، لكنها قائمة. إن التجربة التي تمرّ بها تهزّ أعماقك. لقد كان ذلك بالنسبة  للعديد من الناس نقطة تحوّل.   بعد المرور بمثل هذه التجربة، فإنّ جميع المشاكل ستبدو لك بسيطة للغاية.  لا أدّعي بأنّك ستشعر بذلك على الفور.هذه الأمور تستغرق وقتًا. ولكني أعتقد إنّنا اجتزنا المرحلة الأسوأ. سأبقى إلى جانبك خلال الساعات القادمة، كما وٍستجدني متى تشاء في الأيام والأسابيع المقبلة. لقد أتحت لي مرافقتك في هذه اللحظة العصيبة. وهذا يخلق التزامًا. أريد مرافقتك في طريق العودة.

 

ا لخلاصة

على حدّ علمنا، إنّ هذا النصّ هو الأوّل من نوعه في الأدبيات المهنيّة.  ويشير ذلك إلى نقاط ضعفها. إنّنا نعرض هذا النص كقاعدة لتطوير نصوص إضافيّة. إنّ إحدى نقاط القوى لهذا النص تكمن في كونه سهلا وقابلا للفهم، حتى وإن كان الشخص المقبل على الانتحار مرتبكًا وهائجًا. لهذا السبب، قد يراه البعض عاطفيّا وبسيطا للغاية. ولكننا نؤمن بأنّه لا يبدو كذلك للشخص الموجود فوق السطح.

 

ربما يكون هذا النص مفيدًا دون تواجد الشخص الداعم. لهذا نقترح تعميمه في المدارس، معسكرات الجيش، المراكز الجماهيريّة والمؤسّسات الأخرى التي قد تحدث فيها أزمات الانتحار. من المعروف أنّ الأشخاص الذي يفكّرون في الانتحار يبحثون بنشاط عن مواد ومعلومات متعلّقة بالانتحار. وللأسف، هناك العديد من مواقع الإنترنت التي تشجّع الانتحار. ولكن هناك أيضا مكان لمثل هذا النص المكافح للانتحار.  

نوّد دعوة القرّاء مجدّدا للمساهمة في تطوير نصوص أفضل لمكافحة الانتحار بواسطة خبراتهم ومعرفتهم. تتوفّر لدى المهنيين والأفراد العاملين في مؤسّسات الوقاية من الانتحار معرفة واسعة حول هذا الموضوع. نأمل بأنّ يساهم هذا المقال في بذل جهود إضافيّة مشتركة لتجميع ثروة معلوماتيّة غير رسميّة. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شكر وتقدير
يتقدم المؤلفان بجزيل الشكرإلى د. جوزيف بيرغير على تعقيباته المجدية.  .

References

قائمة المراجع

Elitzur, A.C. (1992). Therefore choose life (in Hebrew). Sihot, 6, 268-270.

Elitzur, A.C. (1995). In defense of life: On the failure of mental-health professions to deal with suicide. Omega: Journal of Death and Dying, 31, 305-310.

Jobes, D.A. and Mann, R.E. (1999).  Reasons for living versus reasons for dying: examining the internal debate of suicide.  Suicide and Life-Threatening Behavior, 29, 97-103.

Maltsberger, J.T. (1992).  The psychodynamic formulation: An aid in assessing suicide risk.  In, R.W. Marls, A.L. Berman, J.T. Maltsberger and R. I. Yufit (Eds.) Assessment and prediction of suicide (pp. 29-49).  New York, Guilford.

Maltsberger, J.T. (1993).  Confusions of the body, the self, and others, in suicidal states.  In, A. A. Leenars (Ed.).  Suicidology: Essays in honor of Edwin S. Shneidman (pp. 148-171).  Northvale, NJ, Jason Aronson.

Orbach, I., Kedem, P., Gorchover, O., Apter, A. and Tyano, S. (1993).  Fears of death in suicidal and nonsuicidal adolescents.  Journal of Abnormal Psychology, 102, 553-558.

Orbach, I., Mikulincer, M., Blumenson, R., Mester, R. and Stein, D. (1999).  The subjective experience of problem irresolvability and suicidal behavior: Dynamics and measurement.  Suicide and Life-Threatening Behavior, 29, 150-164.

Orbach, I., Milstein, I., Har-Even, D., Apter, A., Tiano, S. and Elizur, A. (1991). A multi-attitude suicide tendency scale for adolescents.  Psychological Assessment: A Journal of Consulting and Clinical Psychology, 3, 398-404.

Shneidman, E.S. (1985). Definition of Suicide. Northvale, NJ: Jason Aronson.

Shneidman, E.S., Farberow, N.L., & Litman, R.E. (1976). The Psychology of Suicide. New York, Jason Aronson

Trotsky, L. (1932). The History of the Russian Revolution. Ann Arbor: University of Michigan Press.

White, M. & Epston, D. (1990). Narrative Means to Therapeutic Ends. New York: Norton.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] عنوان البريد الإلكترونيّ: omer1@post.au.ac.il

[2] عنوان البريد الإلكترونيّ: avshalom.elitzur@weizmann.ac.il

[3] قد يكون هذا الفرق " القليل" شديد الأهمية. لا تزال في ذهن الشخص المقبل على الانتحار بعض الأصوات المعارضة للانتحار، ويمكن استنتاج ذلك من حقيقة عدم تنفيذ الانتحار حتى تلك اللحظة. إنّ التخفيف، ولو قليلا، من شعور الشخص المقبل على الانتحار بالعزلة من شأنه أن يرفع الأصوات المنادية بالبقاء على قيد الحياة. أما تعزيز الشعور بالعزلة، ولو قليلا، من خلال مواجهة بحتة من شانه أن يرفع الأصوات المنادية بالموت.

 
*
 

 
Talkbacks
  reply